عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي
464
اللباب في علوم الكتاب
أحدهما : أنّ المحبة غير الإرادة ، بل المحبّة عبارة عن مدح الشيء . والثاني : سلّمنا أنّ المحبة نفس الإرادة ، لكن قوله تعالى وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الْفَسادَ [ البقرة : 205 ] لا يفيد العموم ؛ لأنّ الألف واللّام الداخلتين في اللفظ لا يفيدان العموم ، ثم يهدم كلامهم وجهان : الأول : أنّ قدرة العبد صالحة للإصلاح ، والفساد ؛ فترجّح الفساد على الصلاح إن وقع لا لمرجح ، لزم نفي الصانع ، وإن وقع لمرجح ، فذلك المرجّح لا بدّ وأن يكون من اللّه ؛ وإلّا لزم التسلسل ، فثبت أنّ اللّه سبحانه هو المرجح لجانب الفساد ، فكيف يعقل أن يقال إنّه لا يريده ؟ والثاني : أنّه عالم بوقوع الفساد ، فإن أراد ألّا يقع الفساد ، لزم أن يقال : إنّه أراد أن يقلب علم نفسه جهلا ، وذلك محال . قوله تعالى : « وَإِذا قِيلَ لَهُ اتَّقِ اللَّهَ » : هذه الجملة الشرطية تحتمل الوجهين المتقدّمين في نظيرتها ، أعني : كونها مستأنفة ، أو معطوفة على « يعجبك » ، وقد تقدّم الخلاف في الذي قام مقام الفاعل عند قوله : وَإِذا قِيلَ لَهُمْ لا تُفْسِدُوا [ البقرة : 11 ] . قوله : « أخذته العزّة » ، أي حملته العزّة وحميّة الجاهلية على الفعل . قوله : « بالإثم » أي : بالظلم وفي هذه الباء ثلاثة أوجه : أحدها : أن تكون للتعدية ، وهو قول الزمخشري فإنه قال : « أخذته بكذا إذا حملته عليه ، وألزمته إياه ، أي : حملته العزّة على الإثم ، وألزمته ارتكابه » قال أبو حيان : « وباء التعدية بابها الفعل اللازم ، نحو : ذَهَبَ اللَّهُ [ البقرة : 17 ] ، وَلَوْ شاءَ اللَّهُ لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ [ البقرة : 20 ] ، وندرت التعدية بالباء في المتعدّي نحو : « صككت الحجر بالحجر » أي : جعلت أحدهما يصكّ الآخر » . الثاني : أن تكون للسببية ، بمعنى أنّ إثمه كان سببا لأخذ العزّة له ؛ كما في قوله : [ الرمل ] 1015 - أخذته عزّة من جهله * فتولّى مغضبا فعل الضّجر « 1 » فتكون الباء بمعنى اللام ، فتقول : فعلت هذا بسببك ، ولسببك ، وعاقبته لجنايته ، وبجنايته . الثالث : أن تكون للمصاحبة ؛ فتكون في محلّ نصب على الحال ، وفيها حينئذ وجهان : أحدهما : أن تكون حالا من « العزّة » أي : ملتبسة بالإثم .
--> ( 1 ) ينظر : البحر 2 / 126 ، الدر المصون 1 / 507 .